… « من كان معتقلا معك في الدائرة الثانية؟ » تتساءل « المساء »
فيرد مصطفى المعتصم في الحلقة 19 من مذكراته: »كنت أنا وبنكيران والعربي
الطابلة ورشيد حازم »، فتضيف نفس اليومية متسائلة « وحول ماذا كان ينصب
التحقيق؟ » يجيب المعتصم مرة ثانية: » حققوا معنا للتأكد من طبيعة علاقتنا
بالشبيبة … كنا نشترك الطعام .. والكلام .. وبعد حوالي 30 يوما من
اعتقالنا، تمت المناداة على عبد الإلاه بنكيران، وأطلق سراحه، ليبدأ في جمع
التوقيعات ممن اعتقلوا في تلك الحملة أو الذين لم يطلهم الاعتقال في عريضة
يتبرؤون فيها مما يقوم به مطيع ويعلنون فيها انفصالهم عن الشبيبة
الإسلامية »، وحينها تتساءل « المساء » في نفس حلقة المذكرات الواردة في
عدد الخميس 26 يوليوز الجاري: »كيف عرفت بأمر العريضة »، فيرد
المعتصم: »أدخلها إلينا بنكيران إلى المعتقل »، ثم تستفهم نفس اليومية
: »تريد أن تقول إنه أطلق سراحه وأصبح يدخل إلى الكوميساريات بسهولة لجمع
التوقيعات؟ »، يجيب المعتصم: »نعم بعدما أُخلي سبيله عاد يطلب مني ومن
الإخوة الذين الذين كانوا معي في المعتقل التوقيع على العريضة، وقد زار
أيضا العديد من المعتقلات لتفس الغرض ». وفي نفس السياق تسأل
« المساء » المعتصم : »أنت وعبد الإلاه بنكيران كنتما معتقلين في كوميسارية
الدائرة الثانية للأمن الوطني بالرباط، حيث كان عميد الشرطة الشعير محمد
الخلطي الذي أثارت علاقته بعبد الإلاه بنكيران الكيير من القيل والقال، كيف
كانت أنت علاقتك أنت بالخلطي؟ »، يجيب المعتصم: »كما قلت، علاقة الخلطي
ببنكيران أثارت الكثير من القيل والقال، وربما كانت هذه العلاقة قيد النشأة
والتطور، لكن بالنسبة إلي أنا فلنقل إن علاقتي بالخلطي كانت علاقة الجلاد
بالضحية، وكان يسودها الكثير من عدم الاطمئنان، ما زلت أتذكر أنه في إحدى
المرات أمر بـ »المجيء بي » إلى مكتبه، وبدا يسألني أسئلة لا أعرف لها
جوابا ».
هسبريس ـ إسماعيل عزام
الاثنين 20 غشت 2012 -
(الجزء الأول)
"لم أخرج خلال 20 فبراير لأنني أخاف على الملكية".."المغرب إما يكون
بالملكية أو لا يكون".."الملك أب لجميع المغاربة"..هذه بعض العبارات التي
ما فتئ يصرح بها رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بخصوص الملكية بالمغرب
سواء بمناسبة أو دون مناسبة؛ وهو ما جعل عشاق العد يتتبعون كلامه خلال
برنامج "بلا حدود" في قناة الجزيرة، ويحصون عبارة "جلالة الملك" التي ترددت
على لسان رئيس الحكومة 37 مرة في حلقة من 50 دقيقة، فزعيم حزب المصباح
حريص على تأكيد دور الملكية في الحكم بالمغرب، وبأن اختصاصه كرئيس حكومة
منتخبة بعد الربيع الديمقراطي الذي عرفه المغرب لا يعني نكران دور الملك في
الخارطة السياسية المغربية.
تجربة بنكيران السياسية تجعله يدرك الفرق بين مواقفه الشخصية وقناعاته
السياسية، لذلك فعدد من المراقبين يرون أن هذا الرجل ليس سوى انعكاس لسياسة
حزب العدالة والتنمية التي لا تريد الدخول في مواجهة مع المحيط الملكي،
وهو ما يتأكد عبر دعم أعضاء الحزب المطلق لبنكيران وانتخابه أمينا عاما
للحزب للمرة الثانية على التوالي في تشجيع له على المضي قدما على نفس
المنهج الذي سار عليه طوال 7 أشهر من الحكم، بينما لا يربط رأي آخر بين هذا
الدعم الحزبي لبنكيران وبين آرائه الشخصية، ما دام عدد من أعضاء أمانته
العامة كانوا قد أيدوا الحراك الاجتماعي ورفعوا شعار الملكية البرلمانية،
وهو الشعار الذي يعاديه بنكيران..

غير أن الاعتذار الذي قدمه رئيس الحكومة أخيرا للمحيط الملكي خلق الكثير
من الجدل عن حقيقة العلاقة بين القصر وزعيم الحكومة الملتحية، ليظهر أن
هذه العلاقة ليست دائما وردية الشكل والمضمون، وأن هناك مدا وجزرا قد يرمي
يوما بنكيران في شط المغضوب عليهم..
فهل صحيح أن بنكيران يحاول التقرب من المؤسسة الملكية؟ وإن سلمنا
بإمكانية هذا الأمر، فهل الأمر يتعلق بقناعة شخصية أم بموقف عام لحزب
المصباح؟ لماذا يحرص بنكيران أثناء كل حديث صحفي على إظهار مكانة الملك
لديه؟ ألا يعتبر الأمر تملقا أم أن الأمر يعتبر تصريفا لإرادة فئات واسعة
من الشعب المغربي مقتنعة تماما بدور الملك في العمل السياسي؟ ثم كيف ينظر
القصر الملكي لبنكيران؟..
بنكيران..صديق الملكية حتى قبل ولادة العدالة والتنمية..
قدم محمد الخلطي ـ الذي يعتبره البعض واحدا من جلادي سنوات الرصاص ـ في
حوار أجرته معه أسبوعية الأيام سنة 2005، مجموعة من الحقائق حول بدايات
بنكيران في العمل السياسي، فبعد إعلان مطيع زعيم حركة الشبيبة الإسلامية عن
عدم شرعية قتال البوليساريو الذين كان يراهم مسلمين شأنهم شأن المغاربة،
قرر بنكيران وعدد من زملائه الخروج من هذا التنظيم سنة 1981 ، وقد كان بيان
نشره مطيع حول خيانة بنكيران له هو السبب في عدم اعتقال هذا الأخير رغم
أنه اتهم بتحريض مجموعة من التلاميذ على الاحتجاج وفق ما قالت الشرطة
القضائية سنة 1983.
وأسس بنكيران بعد ذلك الجماعة الإسلامية، وساهم في تحويلها من بعد إلى
حركة الإصلاح والتجديد حيث كان متعاونا مع السلطات المغربية، فقد كان السبب
في توقيف بعض أعضاء جماعة التبيين، ثم حاول بعد ذلك التقرب من حزب
الاستقلال. ولما فشل التحق بحزب عبد الكريم الخطيب سنة 1992، و قد صرح
الخلطي بأن بنكيران كان محميا من طرف الراحل الحسن الثاني، وأن هذا الأخير
كان قد هدد الكتلة الديمقراطية يوما أنها إن لم تراجع المذكرة التي قدمتها
له، فسيطلق عليها بنكيران.
ومن هذا الجرد التاريخي البسيط عن بدايات بنكيران في العمل السياسي،
يظهر أن الرجل عدٌل بسرعة من قناعته السياسية واختار العمل السياسي الشرعي
القائم على الاعتراف بالمؤسسة الملكية وبل وحتى التقرب منها، وهو ما يؤكده
إدريس الكنبوري الباحث في الحركات الإسلامية حيث قال إن موقف بنكيران من
المؤسسة الملكية ليس جديدا، وبكونه كان يبحث عن الثقة الملكية منذ بداية
الثمانينات، وقد ساعدته في مسعاه عدد من الوقائع مثل تجربة الصدام الذي حصل
بين الشبيبة الإسلامية وبين المؤسسة الملكية، وكذلك الخصومة السياسية بين
جماعة العدل والإحسان والحسن الثاني.

وأردف الكنبوري قائلا: "بنكيران كان يرى أن الإصلاح في المغرب لا يمكن
أن يكون إلا بدعم ملكي، وأن الحركة الإسلامية ـ في تصوره ـ يجب أن تتعاون
مع الملكية، وقد تبلور هذا الموقف بشكل خاص في مشاركة الحركة في جامعة
الصحوة الإسلامية في الثمانينات التي أشرف عليها وزير الأوقاف السابق عبد
الكبير العلوي المدغري، بضوء أخضر من الحسن الثاني الذي كان يريد إدماج جزء
من الإسلاميين في المجال السياسي، وهي خطوة جاءت بعد تداعيات الثورة
الإيرانية في الثمانينات التي مست الشأن الديني في العالم الإسلامي كله
بدون استثناء، وتمثلت سياسة الدولة ردا على تلك التداعيات في أمرين: إنشاء
المجالس العلمية لإدماج العلماء، وتنظيم جامعة الصحوة لإدماج الإسلاميين".
ويرى بلال التليدي، عضو المجلس الوطني حزب العدالة والتنمية، أن مواقف
بنكيران من المؤسسة الملكية كانت حصيلة قراءة سياسية دقيقة لطبيعة النسق
السياسي المغربي، حيث أشار إلى أن مواقف بنكيران كانت تندرج ضمن الجواب
السياسي الذي يركز في سقف تطلعاته على دمقرطة نظام الحكم، وفي نفس الوقت
الحفاظ على المؤسسة الملكية باعتبارها رمز وحدة واستقرار المغرب والضمير
التحكيمي.

"بنكيران حاول بلورة هذا الجواب مبكرا في بداية الثمانينيات، لكن السياق
السياسي لم يكن مساعدا، إذ تبلورت رؤيته السياسية في لحظة وصول الشبيبة
الإسلامية إلى أزمتها السياسية، وتدشينها لسلسلة من المراجعات" يضيف
التليدي.
ويستطرد التليدي بأن مواقف بنكيران اتجاه المؤسسة الملكية كانت مؤطرة،
من جهة أولى، بالرغبة في إحداث تحول فكري وتنظيمي وسياسي داخل الحركة
الإسلامية، ومن جهة ثانية في بناء الثقة ليس فقط مع المؤسسة الملكية ولكن
مع مختلف الفاعلين السياسيين في اتجاه التطبيع السياسي، ومن جهة ثالثة، في
تيسير الطريق نحو المشاركة السياسية باعتبارها في منظور بنكيران منهج
الحركة لسعي المتدرج نحو تحقيق الديمقراطية.
خليوا عليكم الملك فالتيقار..
علاقة الود لبنكيران مع الملكية تبلورت أكثر في عز الحراك الاجتماعي
الذي عرفه المغرب السنة الماضية، فقد رفض زعيم حزب المصباح الخروج في
مظاهرات حركة 20 فبراير، وصرح حينها بأنه ضد الملكية البرلمانية التي نادى
بها حتى أفراد من داخل حزبه، كما وصف شباب الحركة بـ"الطبالة والغياطة"،
ورغم أن قراره أصاب الحزب بنوع من التصدع خاصة بعد خروج شبيبة الحزب مع
المظاهرات، فقد أصر بنكيران على موقفه وشبه المغرب بـ"لفلوكة" التي قد تغرق
إذا استمرت المظاهرات في الشارع.
وحاول بنكيران في الوقت ذاته انتقاد بعض الأشخاص المقربين من الملك،
ومنهم فؤاد عالي الهمة الزعيم السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، ومنير
الماجيدي سكرتير الملك، إضافة لانتقاده الدائم لمدراء القطب العمومي خاصة
سميرة سيطايل وهي المرأة ذات العلاقات النافذة مع الدولة، مما يظهر أن
بنكيران ـ وإن كان حريصا على خطب ود القصر ـ فهو لم يقبل بوجود بعض من
يمسون وجود حزبه، فسيطايل كانت قد وصفت الحزب بالمتطرف ذات مرة على قناة
فرنسية، والهمة صرح في وقت سابق أن هدف حزبه القضاء على الإسلاميين.
وبعد نجاح حزب العدالة والتنمية في تبوء الرتبة الأولى خلال الانتخابات
الماضية وتمكنه من رئاسة الحكومة، ازدادت لغة التقرب للملك من طرف بنكيران،
مقابل نوع من الصمت اتجاه فؤاد عالي الهمة الذي تحول إلى مستشار للملك بعد
خروجه من حزب الأصالة والمعاصرة، وكذلك سميرة سيطايل التي لم يتحدث عنها
بنكيران سوى مرة واحدة في عز أزمة دفاتر الخلفي، وهي ذات الدفاتر التي كادت
أن تسبب شرخا بين الحكومة والقصر لولا ذلك الاجتماع بين الملك وبنكيران،
والذي تم بموجبه التراجع عن الكثير من بنود هذه الدفاتر.
لماذا يستميل بنكيران المؤسسة الملكية؟
يعتبر حسين مجذوبي، صحفي بجريدة القدس العربي، أن بنكيران يتحدث ويستشهد
بالمؤسسة الملكية بشكل مثير للغاية في تصريحاته البرلمانية والصحفية، وذلك
لأن بنكيران يرغب في استمالة الملكية لتحقيق التطبيع بينها وبين وحزب
العدالة والتنمية، بحكم أن الكثير من المعطيات تشير إلى توجس الملك محمد
السادس وبعض مستشاريه وخاصة فؤاد علي الهمة من الإسلام السياسي.

ويرى أحمد بن الصديق، واحد من أشد الوجوه المعارضة بالمغرب، أن الهدف
الرئيسي لبنكيران من هذه الاستمالة هو التطبيع مع الملك و كسب ثقته ورضاه،
وجعله يقتنع بأنه يمكن الاعتماد على العدالة والتنمية حاليا ومستقبلا، مثل
باقي الأحزاب وخاصة حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.

ويرد بلال التليدي بأن مثل هذه التحليلات تشير إلى نوع من التخبط في
التعاطي مع بعض مواقف بنكيران، وهو ما يراه شيئا متفهما بحكم أن رئيس
الحكومة دشن تجربة الوضوح والكلام المباشر في حقل كان يلفه الغموض وكثير من
الضبابية، وبدأ يتحدث عن العلاقات بين المؤسسات بصوت مرتفع، وهو الشيء
الذي كان يجب استثماره في نظره من قبل الباحثين لمعرفة ما لم يكن متيسرا
معرفته من قبل حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية في المغرب.
"المؤسسة الملكية بدأت في التكيف الإيجابي مع الاستحقاق الدستوري، إلا
أن هناك من يحاول أن يعمل على إيقاف هذا التوجه من خلال استثمار مواقف
وتصريحات يتم اعتمادها كمؤشرات على نوايا فوق دستورية للإسلاميين، من أجل
إقناع المؤسسة الملكية بأن دستور فاتح يوليوز جاء قبل وقته، وأن الأحزاب
السياسية وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، لم تتهيأ بعد لتكون في مستوى
رهاناته، وأن الأفضل في هذه المرحلة أن تعود المؤسسة الملكية إلى الأدوار
التي كانت تضطلع بها قبل الحراك" يقول التليدي.
غير أن بن الصديق يرد على أن هذا الخطاب لم يعد ينفع ما دام أن واقع ما
بعد بزوغ الربيع العربي ليس هو ما قبله، ويضيف قائلا:" ما يجب على العدالة
والتنمية أن يهتم به حاليا ليس هو البحث عن رضا الملك، ولكن هو ما سيحققه
للشعب المغربي من نتائج ملموسة في الاقتصاد والعدل والكرامة والتعليم
ومحاربة الفساد والمفسدين الذي يستسلم أمامهم بعدما كان يقول أنه سيحاربهم،
ولو كان بنكيران مخلصا حقا للملكية لانتبه إلى أن أكبر خطر عليها اليوم هو
مجموعة من قرارات الملك محمد السادس، و اختياراته و تصرفات أصدقائه ومحيطه
الذي أغرق البلاد و العباد في الفساد السياسي و المالي".
..........................
عبد الاله بنكيران كيف تحول من مُخْبِر في الطابور الخامس الى رئيس للحكومة !!
في هذا الملف نستعرض لشهادة محمد الخلطي رئيس الاستعلامات العامة احد
ابناء دار المخزن العارف بخباياها ليكشف لنا بالدليل علاقة رئيس الحكومة
الحالي عبد الاله بنكيران بالمخزن ( العفاريت و التماسيح)،هذه العلاقة التي
نسجت خيوطها داخل دهاليز وزارة الداخلية و اقبية الديستي و الاستخبارات
العامة حيث كان يُقدم بنكيران على اساس انه مخبر من درجة رفيعة مستعد
للوشاية بجميع اخوانه في الشبيبة الاسلامية من اجل اهداف آنية او مستقبلية،
و كيف انه وضع خبرته و قربه من الجماعات الاسلامية في خدمة البوليس السري،
للوشاية باصدقائه و الزج بهم في غياهب السجن مما اكسبه ثقة اعلى سلطة في
البلاد ، خصوصا بعد الرسالة الشهيرة التي بعثها للبصري و التي اقترح من
خلالها التنسيق مع المخزن من اجل قطع دابر اليساريين و الشيوعيين ، مما حدا
بالحسن الثاني في احدى خرجاته المثيرة ان هدد الكتلة آنذاك : "إذا لم
تراجعوا مذكرتكم سأطلق عليكم بنكيران" هذه المقولة تخفي ورائها ما تخفي و
تُلَخص علاقة بنكيران بالمخزن هذا الاخير الذي لم يكن يرى في بنكيران غير
كلب هائج يطلقه على اعداءه كلما دعت الضرورة الى ذلك و من جانبه بنكيران لم
يكن غير ذلك الكلب الكثير النباح الذي لا يعصي لسيده امرا ،على هذا الاساس
فعلاقة بنكيران بالمخزن لا يمكن فهمها الا بالعودة الى متلازمة ستوكهولم
او عندما يسقط الضحية في حب الجلاد .
محمد الخلطي عمل بسلك البوليس
السياسي حمل أكثر من إسم رسمي مع تعاقب المسؤولين وهيكلتهم لإدارة الأمن
الوطني. التحق بهذه الإدارة يوم فاتح سبتمبر من سنة 1957 مباشرة بعد حصوله
على شهادة الدروس الإعدادية من ثانوية مولاي إدريس بفاس.. اشتغل بداية
بالدارالبيضاء قبل أن يعود إلى فاس ثم يستقر بالرباط، حيث عين رئيسا لفرقة
محاربة التطرف السياسي والديني بالعاصمة منذ تأسيسها سنة 1975.
استنطق الماركسيين اللينيين من مختلف تنظيماتهم، ثم تخصص في الإسلاميين بعد
أن طفا على السطح تنظيم الشبيبة الإسلامية وما تفرع عنه من مجموعات.. وبعد
حصوله على التقاعد سنة 1997، ثلاث سنوات قبل تاريخه المقرر، ظل ضميره
يؤنبه على التجاوزات التي وقع فيها، فاختار بمحض إرادته تقديم اعتذار مكتوب
لضحاياه نشره في أسبوعية "لوجورنال"، لكن رد الفعل المتشدد الذي صدر عن
المحامي المعروف عبد الرحيم الجامعي، والذي قال إنه لا يمكن التسامح مع
الجلادين أدخله في صمت دام لسنوات… يلا مزاولته لعمله.. يفتخر بكون مكتبته
مليئة بالكتب المهداة التي أطلع "الأيام" على توقيعات بعض أصحابها سواء من
اليساريين أو الإسلاميين.. لسان حاله كان يتساءل.. ما الذي جناه الخلطي من
40 سنة قضاها بالاستعلامات العامة؟ لم يجن من الناحية المادية سوى أجرة لا
تتجاوز سقف 4500 درهم، أما على مستوى صحته النفسية فهو مصاب بالاكتئاب تحت
وقع استرجاعه لشريط طويل دام أربعة عقود.. هذا إلى جانب إصابته بالربو
الحاد، والروماتيزم، وقرحة المعدة، وفقده البصر بعينه اليمنى.. خلال هذا
الاستجواب نتوقف معه عند أبرز المحطات التي عايشها كمسؤول في الاستعلامات
العامة كان ينسق مع باقي أجهزة الاستخبارات بخصوص ملف الإسلاميين، لنعود
إلى تفاصيلها وأسرار باقي الملفات في حلقات مقبلة سيخص الخلطي قراءنا بها.
هل توافق الذين يقولون إن محطة اغتيال عمر بنجلون سنة 1975 كانت هي بداية مرحلة المواجهة الأمنية للحركة الإسلامية بالمغرب؟
نعم، هذه هي الحقيقة، فمباشرة بعد حادثة اغتيال عمر بنجلون قرر المسؤولون
عن جهاز الأمن الوطني تأسيس فرق مختصة يكون بوسعها مكافحة التطرف، سواء منه
التطرف الماركسي اللينيني أوالتطرف اليميني. هكذا تأسست فرقة بالرباط،
وكنت مسؤولا عنها، وثانية بالدارالبيضاء، وثالثة بفاس، ورابعة بوجدة،
وخامسة بمراكش، وسادسة بخريبكة. وقد تلقينا تدريبات خاصة من أجل مباشرة
مهامنا على أحسن وجه.
تلقيتم هذه التدريبات بداخل المغرب أو خارجه؟
كانت التدريبات الأولى سنة 1975 بالمغرب، لكن بعد سنتين توجهت بصحبة عميد
آخر إلى فرنسا حيث تدربنا على مكافحة تطرف اليسار وليس الإسلاميين. أعود
إلى قضية اغتيال عمر بنجلون لأوضح لك أن الذين اعتقلوا في إطارها، تم
اعتقالهم أساسا بالدارالبيضاء، أما بالنسبة للرباط فكانت توجد خلايا صغيرة
جدا، وكان المسؤول عنها هو بن الأدهم الذي ألقي عليه القبض بداية في
الدارالبيضاء قبل أن يطلق سراحه ويلتحق بالرباط من أجل مواصلة دراسته.
وصراحة، كنا نجهل آنذاك كل شيء عن حركة الشبيبة الإسلامية، سواء تعلق الأمر
بطريقة عملها أو بمناضليها. وكان المسؤولون الأمنيون يعتبرون أن كل ذي
صاحب لحية متطرف، فلم يكونوا يفرقون بين المنتمين إلى الشبيبة أو جماعة
الدعوة والتبليغ، أو السلفيين… كل ملتح فهو متطرف.. لهذا السبب عمت الفوضى،
وبدأنا نشهد استنطاقات في كل جهة..
ومتى بدأت مباشرة اعتقال هؤلاء النشطاء الإسلاميين بمدينة الرباط؟
أولى الإعتقالات كانت سنة 1977. أتذكر أنه بعد صلاة الفجر اتصل بي هاتفيا
ضابط المداومة السيد بنعلي، وقال لي إن جماعة من الشباب قد صلوا بمجسد حكم
بحي المحيط ووزعوا مناشير تحمل إسم الشبيبة الإسلامية، وكانت هذه أول مرة
نعثر فيها على توقيع الشبيبة الإسلامية، وحين طلبت منه أسماء هؤلاء الشباب،
ذكرها لي، وقال لي إن واحدا منهم إسمه بن الأدهم كانت معه حقيبة ولا علاقة
له بهم، فهو كان يستعد للسفر.. فنبهته أن هذا الشاب هو مسؤول الشبيبة
الإسلامية بالرباط… وبعد ذلك تولت فرقة الشرطة القضائية التحقيق معهم، وكان
آنذاك تنافس كبير بين الأقسام، فاتفق الشباب العشرة الذين اعتقلوا على
توجيه التهمة إلى شاب إسمه بخات، والذي لم تكن تربطه أي علاقة بالشبيبة
الإسلامية.
ولأي جماعة كان ينتمي بخات؟
كانت له جمعية ثقافية
لا علاقة لها بتنظيم مطيع، وإنما تضم مغاربة وسوريين من جماعة الإخوان
المسلمين الذين جاؤوا للاستقرار بالمغرب.
وتم اعتقاله رغم كونه لا ينتمي إلى الشبيبة الإسلامية؟
نعم، اعتقلته الشرطة القضائية، والمشكل أنه بعد خضوعه للتعذيب بدأ يقول إن
مجموعة خططت لاغتيال مسؤولين سياسيين وحكوميين، وذكر منهم وزير الأوقاف
والشؤون الإسلامية ومدير الأمن الوطني ربيع.. ووقعت اعتقالات على صعيد
المغرب كله، وكان من ضمنهم الدكتور أحمد الريسوني الذي استجوبته في هذا
العدد من جريدتكم، والأستاذ گديرة رئيس المجلس العلمي للرباط حاليا، والذي
كان مفتش تعليم وقتها..
وكيف عرفت أن بن الأدهم لم يكن عضوا بالشبيبة الإسلامية ولا علاقة له بالمناشير التي وزعت؟
لقد اطلعت على التقرير الذي أنجزته فرقة الشرطة القضائية وأرسلته إلى
المدير الذي أمر بالاعتقالات، ورأيت أنه تم الوقوع في خطأ، حيث لم يتم
تفتيش منازل هؤلاء الشباب حتى نعرف أين طبعت المناشير. كنت أعلم أن ابن
الأدهم هو المسؤول، فنسقت مع الشرطة القضائية وتوجهنا إلى منزله بحي
التقدم، فوجدنا فعلا المنشورات وآلة الطباعة. والغريب أن هؤلاء الشباب
الذين كانوا ينتمون إلى الشبيبة الإسلامية انحرفوا بعد إطلاق سراحهم بسبب
الكذب الذي رأوه في مسؤولهم الذي كان يعلمهم وجوب المحافظة على الأخلاق وما
يأمر به الدين الإسلامي.. والذي تسبب في تعذيب بخات..
وبعد هذه القضية.. هل تمت اعتقالات أخرى في صفوف الشبيبة الإسلامية بالرباط؟
القضية الثانية ارتبطت بعبد الإله بنكيران، الذي كنا نشك في أنه من تحمل
المسؤولية بالرباط بعد بن الأدهم، وقد كان على اتصال دائم بمطيع، لدرجة أنه
سافر إلى فرنسا من أجل اللقاء به. وقد اعترف لي بهذا فيما بعد، وقال لي
إنه كان قد ضرب موعدا مع مطيع للقاء به بأحد الفنادق لكنه لم يأت، وغير
مكان اللقاء، وحين سأله لماذا هذه المراوغة؟ أجابه أنه لا ينبغي له أن يضع
ثقة حتى في زوجته.. المهم، بعد سنة 1977 لم نستطع أن نجد أي دليل ضد
بنكيران، وكان أول عمل مكشوف قام به، هو توزيع مناشير أمام باب فندق هيلتون
على هامش انعقاد مؤتمر للمحامين الشباب، وذلك للتنديد بمحاكمة عناصر
الشبيبة الإسلامية ونفي مطيع خارج المغرب. لكن قرار متابعته جاء بعد محاكمة
اغتيال عمر بن جلون سنة 1980، حين حكم على مطيع بالإعدام غيابيا، فاتصل
ببنكيران عبر الهاتف، وطلب منه أن يجمع الاخوة بالمسجد المحمدي
بالدارالبيضاء وأن يخرج بهم في مظاهرة.. آنذاك اعتقل العشرات من هؤلاء
الشباب، لكن رجال الشرطة كانوا يجهلون طبيعة التنظيم الذي ينتمون إليه،
فاتصلوا بي عبر الهاتف وأخبروني بما وقع فطلبت منهم أسماء بعض الشباب،
فأعطوني إسم الأمين بوخبزة، يتيم، حزيم فقلت لهم هذه الشبيبة الإسلامية..
ويجب أن تعتقلوا مسؤولهم بالرباط عبد الإله بنكيران لكنه هرب. وهنا قمنا
بحراسة منزله بحي العكاري، لكننا لم نجده طوال 3 أيام. وصدفة توجهت إلى عين
المكان لمراقبة الطريقة التي تتم بها الحراسة، فوجدته مارا بسيارته بصحبة
والدته من أمام المنزل، فاعتقلناه وبدأت أمه تصيح، وطمأنتها أنها لن تتعرض
لسوء..
وأشرفت على استنطاقه بنفسك؟
نعم استنطقته وحققت معه
بنفسي، وكنت طوال 25 سنة أمضيتها في الإستعلامات العامة آنذاك أعرف أن
المتهم لابد وأن يتكلم أثناء استنطاقه، وكان المسؤولون قد علمونا أن الإمام
مالك قد أجاز ضرب المتهم حتى يعترف بجريمته، وأجاز قتل ثلثي الشعب من أجل
إصلاح الثلث… هكذا كنا نعتقد في صحة هذا القول ونعمل بمقتضياته. وحين بدأت
التحقيق مع بنكيران اعترف لي بمسؤوليته عن المظاهرة، وقال لي إن مطيع اتصل
به وطلب منه تنظيم المظاهرة، لكنه أوضح لي أنه طلب من إخوانه الاجتماع في
المسجد المحمدي للأحباس دون أن يكشف لهم عن نيته في الخروج بهم في مظاهرة،
وبعد اجتماعهم أخذ مكبر الصوت وأمرهم بالتظاهر… للتنديد بالأحكام الصادرة
ضد مطيع.. حذرته أن الشرطة القضائية "غادي تتكرفس عليه"، فأجابني أنه لن
يعطي أسماء الذين حضروا المظاهرة، وقال إنه إذا صبره الله فالأمر كذلك وإذا
لم يصبره فليس له ما يقوم به.. وهكذا كان، فالشرطة القضائية بكل صراحة
"تكرفسات عليه" إلى أن أعطى بعض الأسماء.
وهل لمست أن انفصال بنكيران عن مطيع جاء بعد هذا الإعتقال؟
لا، الإنفصال سيأتي فيما بعد حين أصدر مطيع من ليبيا مجلة إسمها
"المجاهد"، وحتى يراوغ الأمن كان يقول إنها تصدر من بلجيكا. وفي أواخر سنة
1980 أو بداية 1981 زارني بنكيران بمكتبي، وقال لي إن مطيع أصيب بخلل عقلي،
وإنه أصدر مجلة تحتوي على موقف لا وطني من قضية الصحراء، حيث رأى مطيع أن
الصحراويين الذين نقاتلهم هم مسلمون وأثر صلاتهم موجودة في الرمال خلافا
لما قاله صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني آنذاك من أن غالبية من نقاتل
أتوا من كوبا وأنهم "غير مختونين"، أما مطيع فقال هذا خطأ، وأن البوليساريو
مسلمون ولا يمكن أن نحارب إخواننا المسلمين. هذا إلى جانب إصداره البيانات
ضد عدد من الحركات الإسلامية في العالم العربي، ووعدني بنكيران بأن يرسل
لي أعداداً من هذه المجلة، وأخبرني أن الشبيبة الإسلامية في الرباط قررت
فصل مطيع الذي اتخذ هذا الموقف اللاوطني بشكل فردي.
وماذا كان رد فعلك حين قال لك بنكيران هذا الكلام؟
قدمت له نصيحة، وقلت له إذا أردت أن تكون واضحا أصدر بيانا من خلال
الجرائد تحدد فيه موقفكم، وشجعته على ذلك فاستجاب لنصيحتي، وبالفعل اجتمعوا
على صعيد الرباط وأصدروا بيانا ينددون من خلاله بموقف مطيع اللاوطني
ويعلنون انسحابهم من الشبيبة الإسلامية، وحتى ينتقم منهم مطيع أصدر عددا من
البيانات باسم المعتقلين في السجون يقولون إن بنكيران ومجموعته خونة
يتعاملون مع الأمن، وبدأوا يروجون لدعاية مفادها أن بنكيران خائن يتعامل مع
الخلطي ومع الدكتور الخطيب، وأصبحوا يقولون إن هذه خطة مدروسة تستهدف
الشبيبة الإسلامية، الخلطي يسيرها أمنيا والخطيب يسيرها سياسيا. وكان هذا
البيان الذي نشر في بعض الجرائد قد شفع للسيد بنكيران عندما اعتقل في أواخر
سنة 1983 من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بعد اتهامه بتحريض تلاميذ
ثانوية بمكناس على التظاهر في الشارع العمومي، ورفع شعارات ولافتات تمس
بمقدسات البلاد، حيث كان هؤلاء التلاميذ قد اعترفوا أثناء استنطاقهم بدرب
مولاي الشريف أنهم ينتمون إلى الشبيبة الإسلامية وزعموا أن المسؤول عن
خليتهم ومحرضهم هو بنكيران. وقد نصحت بنكيران قبل أن يتوجه إلى درب مولاي
الشريف أن يأخذ معه نسخة من البيان المذكور ونسخة من ملف طلب تأسيس جمعيته،
وهكذا أطلق سراحه، وقدمت مجموعة التلاميذ إلى العدالة.
وهل أنت من اقترح عليهم تأسيس الجمعية؟
لا، حين قدم بنكيران ومن معه استقالتهم من الشبيبة الإسلامية، قرروا
الخروج من السرية والعمل في المشروعية، فجاء المرة الأولى بنكيران لوحده ثم
أتى بصحبة عبد الله بها للتشاور معي إن كان بإمكانهم تأسيس جمعية. فأجبتهم
أنه يمكنهم ذلك، وقلت لهم أن يعدوا قانونها الأساسي ويركزوا على 3 محاور :
موقفهم من الملكية، وموقفهم من وحدة المذهب المالكي، وموقفهم من الصحراء
المغربية، ثم يفصحوا عن لائحة المكتب المؤسس.
كان هذا اجتهادك الشخصي؟ أم أنك نسقت مع المسؤولين لتقترح عليهم هذا الأمر؟
لا، كانت هذه مبادرة شخصية. وقد رأيت وتأكد لي أن بنكيران يرغب في العمل
في إطار المشروعية… قال لي إنهم خدعوا، وإن مطيع أوهمهم أن الحسن الثاني هو
الظالم و… لكنهم حين اجتمعوا رأوا أن الحسن الثاني كيفما كان فهم يعرفون
نسبه بخلاف رؤساء بعض الدول العربية…
وماذا كان جوابهم حين اقترحت عليهم هذا الأمر؟
اجتمعوا على صعيد الرباط واتفقوا على توضيح النقاط الثلاث في القانون
الأساسي للجمعية، لكنهم رفضوا تقديم لائحة اعتماد المؤسسين، وقالوا إن
الخلطي يريد أن يضعنا في الفخ ويعرف منا الأسماء من أجل اعتقالنا. ولما
أخبرني بنكيران بهذا الموقف اقترحت عليه أن يقدم الأسماء المعروفة لدى
الأمن الوطني، أولئك الذين سبق اعتقالهم وأطلق سراحهم، وبنكيران مثلا كان
قد حكم عليه بالسجن لمدة 3 أشهر موقوفة التنفيذ في قضية مظاهرة
الدارالبيضاء.. وفي نهاية المطاف أسسوا جمعيتهم في نهاية سنة 1983 وقدموا
ملف جميعة "الجماعة الإسلامية" إلى السلطات، لكنهم لم يحصلوا على الوصل.
وبعد أن استشارني هل يجتمعون أم لا بعد التأسيس، سألته إن كانوا سيصدرون
جريدة، فقال لي إنهم سيصدرون جريدة إسمها "الإصلاح"، فاقترحت عليه أن
يجتمعوا تحت غطاء الجريدة وينظموا ندوات بإسمها.
وماذا كان جوابهم حين اقترحت عليهم هذا الأمر؟
اجتمعوا على صعيد الرباط واتفقوا على توضيح النقاط الثلاث في القانون
الأساسي للجمعية، لكنهم رفضوا تقديم لائحة اعتماد المؤسسين، وقالوا إن
الخلطي يريد أن يضعنا في الفخ ويعرف منا الأسماء من أجل اعتقالنا. ولما
أخبرني بنكيران بهذا الموقف اقترحت عليه أن يقدم الأسماء المعروفة لدى
الأمن الوطني، أولئك الذين سبق اعتقالهم وأطلق سراحهم، وبنكيران مثلا كان
قد حكم عليه بالسجن لمدة 3 أشهر موقوفة التنفيذ في قضية مظاهرة
الدارالبيضاء.. وفي نهاية المطاف أسسوا جمعيتهم في نهاية سنة 1983 وقدموا
ملف جميعة "الجماعة الإسلامية" إلى السلطات، لكنهم لم يحصلوا على الوصل.
وبعد أن استشارني هل يجتمعون أم لا بعد التأسيس، سألته إن كانوا سيصدرون
جريدة، فقال لي إنهم سيصدرون جريدة إسمها "الإصلاح"، فاقترحت عليه أن
يجتمعوا تحت غطاء الجريدة وينظموا ندوات بإسمها.
بجانب الجماعة
الإسلامية كانت هناك أيضا جمعية أسسها عبد السلام ياسين، تختار العمل في ظل
المشروعية. ألم يكن ملفها من ضمن الملفات التي تابعتها؟
التعليمات
التي كانت بحوزتنا، هي أن كل متطرف يجب أن يكون تحت المراقبة، لاسيما الذي
خرج من السجن، ولم تلغ هذه المسألة إلا قبيل وفاة الحسن الثاني- رحمه الله…
وكنا آنذاك نلزم جميع الماركسيين اللينينيين أن يشعرونا بسفرهم إذا كانوا
ينتقلون من مدينة إلى أخرى. أما بنكيران، فكان لي اليقين أنه يريد العمل في
المشروعية، فلم أكن أراقبه كثيرا، وكنت أترك له حريته، أما في سلا فرئيس
الاستعلامات بها- رحمه الله، كان يشدد مراقبته على عبد السلام ياسين،
والتقارير التي تخصه كانت تضم زيادات كثيرة، وتستعمل خلالها مصطلحات تضخم
من أمره وأمر جماعته.. وحتى يتعرف الأمن على الذين كانوا يزورونه ببيته من
مختلف أنحاء المغرب كانوا يطلبون منهم بطاقتهم الوطنية أمام باب منزله..
ولما ضاق الحال بعبد السلام ياسين أمر أتباعه بالامتناع عن تقديم
بطاقاتهم.. لكن عبد السلام ياسين كما عرفته، فهو رجل متفتح ويريد العمل في
إطار المشروعية..
سبق لك أن حققت معه؟
لم أحقق معه، لكن زرته
ببيته بصحبة مسؤول بوازرة الداخلية ووالي الأمن بسلا، فرحب بنا، وقال لي
سيد الخلطي أنت كما حكوا لي عنك رجل متفتح ولك إلمام بالشريعة الإسلامية،
لهذا فأنا أقبل بالحوار معكم، ويمكنكم أن تطرحوا ما تريدون. فقلنا له نريدك
أن تعمل في إطار المشروعية. أجابنا قائلا : كيف يعقل أني مسلم، أريد العمل
في إطار المشروعية ويمنعون جمعيتي، في حين أن علي يعته شيوعي يرخص له
بالعمل؟. وشرحت له ما شرحته لبنكيران، فعلي يعته رحمه الله، كان ممنوعا من
حزبه الأول، ولما أراد تأسيس حزب ثان عقد ندوة صحفية بفندق حسان، أبرز
خلالها المحاور الثلاثة (موقفه من الملكية الدستورية، ومن الإسلام، ومن
الصحراء)، كذلك الأمر بالنسبة للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية كان موقفهم
من الملكية غير واضح، لكن في مؤتمر 1975 وأوضحوا موقفهم من الملكية ومن
الصحراء. وطلبت من عبد السلام ياسين أن يوضح موقفه، وقلت له أنت ضد وحدة
المذهب المالكي وتطالب بالخلافة، ولم يسبق لك أن تكلمت عن الصحرآء، فصمت
قليلا وطلب أن نعطيه مهلة 3 أشهر ليفكر ويرد علينا، ففهمت أن لديه خلافات..
(أقاطعه) خلافات مع من؟
خلافات في القيادة، وقد تأكد هذا بعد انسحاب البشيري فيما بعد، وعبد
السلام ياسين كان يحتاج إلى الوقت من أجل إقناع من يوجد معه في القيادة،
وبنكيران كذلك حتى يقنع من معه احتاج إلى 6 أشهر عقدوا خلالها عددا من
الإجتماعات. وفي الحقيقة فإن سبب نهج بنكيران لتوجهه وعبد السلام ياسين
لتوجه آخر، هو مسألة حظ. فعبد السلام ياسين كان متواجدا بسلا حيث كان مسؤول
الاستعلامات العامة متشددا معه. فهو كان يرغب في العمل في إطار المشروعية
لكنه لم يجد من يساعده، ولم يكونوا يثقون فيه. أما بالنسبة لعلاقتي
ببنكيران فقد انبنت على الثقة، وتبددت الشكوك مع مرور الوقت.
ومعتقلو الشبيبة الإسلامية كانوا يقولون إن بنكيران هو من كان يحدد لكم الأسماء التي يجب اعتقالها وتلك التي يطلق سراحها؟
لا، هذا أمر آخر سنصل إليه عند حديثنا عن جماعة التبين. وأعود لعبد السلام
ياسين لأقول لك إن الحصار الذي ضرب عليه كان خطأ ارتكبته الاستعلامات
العامة التي تجاوزت حدودها، وأوردت في تقرير لها أنه كان يتصل بالحركة
الإسلامية في تونس، وأن عناصرها كانوا يزورونه، وأنه سيتم توحيد الحركة
الإسلامية المغاربية، وسيكون هو المسؤول عنها.. وجاء خبر مفاده أنهم
سيعقدون مؤتمرا بالخارج لاتخاذ هذا القرار، فتقرر لأول مرة منعه من السفر
إلى الخارج، ومنع أعضاء جماعته من زيارته واستدعيناهم على صعيد المغرب
ووقعوا محضرا يلتزمون من خلاله بعدم الذهاب إلى بيت ياسين. وفي الحقيقة لم
يكن حصارا، وإنما سموه كذلك، فهو كان فقط ممنوعا من السفر إلى الخارج، أما
مغادرته لبيته فكان أمرا واقعا، فقد كان يذهب لأخذ أجرته كمتقاعد، وكان
يتوجه دائما إلى طبيب الأسنان بشكل منتظم أسبوعيا، لكن الأمن كان يتبعه،
وهو كان يأمر السائق بتخفيض السرعة حتى تتمكن سيارة الشرطة من تعقبه.. ليظل
محميا. لماذا؟ لأنه إذا فعل أتباعه شيئا لا يتهم بأنه من أعطاهم
التعليمات. وحقيقة سبق لأعضاء من العدل والإحسان يقيمون بفرنسا أن أتوا إلى
المغرب واعتقلناهم بعدما وصلتنا تقارير تفيد أنهم متطرفون يدعون إلى
العنف، وأثناء التحقيق معهم قالوا لنا إنهم ينتمون إلى جماعة عبد السلام
ياسين، ولما حملنا صورة مسؤولهم إلى عبد السلام ياسين قال لنا بالفعل هذا
الشخص ينتمي إلى الجماعة، لكن إذا فعل شيئا خارج القانون فسيتحمل وحده
مسؤولية ذلك. بمعنى أن عبد السلام ياسين كان يعرف ماذا يفعل.. فقط السلطات
لم تحسن التعامل معه، أما هو فكان سيدخل إلى البرلمان، لأنه في أواسط
الثمانينات كان يحتج على وجود الشيوعيين في البرلمان، ويقول لماذا لا
يعطونا بدورنا هذا الحق. وأتذكر أنه قبل اعتقال مجلس الإرشاد لجماعة العدل
والإحسان سنة 1991، ذهبت مع نفس المسؤولين بالداخلية وأمن سلا إلى عبد
السلام ياسين، وطلبنا منه أن يكتب رسالة إلى الملك يوضح من خلالها مواقفه،
لكنه رفض، وقال لنا إنني لست فقيها حتى يعطيني رخصة لأصلي الجمعة بالناس،
وإنما أنا رجل سياسي. يعني كانت هذه فرصة ضاعت.
ما الذي اقترحتموه على عبد السلام ياسين ليضمنه في الرسالة؟
قلنا له إنه لابد أن يوضح موقفه من الملكية، ويقر بأن جلالة الملك هو أمير
المؤمنين، وأظن أنه لم يكن متصلبا مثل البشيري، لكن الأمور تغيرت الآن.
وما هي قصتك مع بنكيران ومجموعة التبين؟
جماعة التبين كان قد أسسها عبد الرزاق المروري – رحمه الله – وكان يزورني
هنا في بيتي من أجل الحصول على جواز سفره. وكان قد بلغني خبراً مفاده أن
هناك مجموعة من الشباب بمسجد العكاري لهم اتصالات بإيران، وفي الحقيقة كانت
سفارة إيران آنذاك تتصل ببعض الشباب وتعطيهم منشورات لتوزيعها.. ففي وقت
الخميني كانت هناك محاولة لتصدير الثورة. ولما اعتقلنا ثلاثة منهم، اعترف
لنا أحدهم أنهم ينتمون إلى التبين، ولما سألته عمن يكون المسؤول عنهم أجاب
أنه لا يعرف. ففكرت في عبد الإله بنكيران، وقلت مع نفسي هو من سيكون له
دراية بهذا الأمر، وبالفعل اتصلت به، وقلت له إننا توصلنا بخبر لا أدري إن
كان وشاية أو كذبا مفاده أن هذه المجموعة لها اتصال بإيران، ونحن لا نريد
القيام بضجة، ونذهب إلى المنازل ونعتقل الشباب أمام آبائهم، فمن الأحسن أن
تخبر مسؤولي هذه الجماعة وتقول لهم إنه من الأفضل أن يأتوا عندي، وأنا
سأحقق معهم، وإذا ثبت أنهم أبرياء فإنني أضمن لك أنهم سيذهبون لحالهم دون
أن يتعرضوا للأذى فاتصل بالمجموعة، وجاؤوا جميعهم عندي، وكان عددهم 15
فردا، منهم المروري وطبيبان، ومهندسان… فقلت لوالي الأمن أنه لا ينبغي أن
تعتقلهم، فوضعت رهن إشارتهم شقة وكان الصيف آنذاك، فتركت لهم الشرفة
مفتوحة، وفتحت المجال لعائلاتهم من أجل الاتصال بهم. وأتذكر أن المروري كان
يعد أطروحته وطلب مني الحصول على المراجع، فقلت له هاتف زوجتك وقل لها أن
تحضر لك المراجع.. وهم أنفسهم قالوا إننا لم نكن في الإعتقال، وإنما في
نزهة أو مخيم.. وهذا سجلته في شريط يمكنك أن تسمعهم يقولونه بصوتهم…