الأحد، 6 ديسمبر 2015

انتفاضة سكان سيدي افني ايت باعمران: تحديات مسلسل نضالي جديد



إن تحليل المسلسل النضالي لسكان منطقة ايت باعمران يسمح لنا في نفس الآن بفهم جوانب مهمة من المرحلة التي نعيشها وبالتفكير في الجواب عما سيعترض المسلسل النضالي في المرحلة القادمة في مناطق أخرى.
لهدا سوف لن نركز على وصف الأحداث التي عرفتها المدينة على اثر الهجمة القمعية والمجزرة التي ارتكبتها قوات النظام، فقد قام بهده المهمة من سبقنا بقدر ما سنقدم عناصر فتح نقاش في الأوساط المناضلة حول طبيعة وخصوصيات المسلسل النضالي خلال هده المرحلة من تطور الصراع الطبقي في محاولة لاستخلاص جماعي للدروس التي ستمكننا من مواجهة التحديات التي ستصطدم بها الحركة النضالية في تجارب أخرى.
الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لساكنة المدينة
يتشكل النسيج الاجتماعي لساكنة مدينة سيدي افني من ثلاثة روافد: البحارة وصغار التجار والوافدين من القرى. أما البنية السكانية فتتميز بغلبة الشباب والنساء. وهذا راجع إلى عامل الهجرة حيث عدد كبير من أباء وأرباب الأسر هم مهاجرون خارج البلد (اسبانيا أساسا) أو داخله.
بالنظر إلى الخصوصيات الاقتصادية و الاجتماعية لساكنة المدينة سيلعب الشباب دورا طليعيا في كل النضالات التي عرفتها المدينة مند 2005. وهو دور يمكن تفسيره بالعوامل التالية: تراجع عامل الهجرة في امتصاص البطالة وتراجع عائدات المهاجرين في التعويض عن ضعف مداخيل الأسر. وغياب أية قاعدة إنتاجية أو خدماتية يمكنها أن تمتص الحجم المتزايد لعدد العاطلين. اذ لم يعد نشاط الصيد البحري كاف لوحده لتوفير الموارد الضرورية لعيش السكان. سيتفاقم الوضع مع تجميد التشغيل العمومي ليصبح الشباب أمام أفق مجهول.أما الفتيات فمستقبلهن أكثر قلقا. وحتى ربات الأسر فهن عرضة للتأثير المباشر لازمة البطالة وشح الموارد وتراجع عائدات الهجرة.
"ليس بالمدينة أكثر من ثكنتين عسكريتين ونحن الشباب خارج أوقات الدراسة والعطل ليس لدينا مانقوم به، فحتى العمل الصيفي في الميناء لم يعد متاحا لنا" هدا ماصرح لنا به طفل في سن الثانية عشرة.
أما خديجة وهي فتاة في سن 16 عشرة فقد صرحت لنا بان الشعل بالنسبة للفتاة المتعلمة منعدم وليس أمام الفتاة من سبيل غير الزواج أو الهجرة وهما أمنيتان أصبحتا مستحيلة التحقيق.
في ظل هده الشروط يشكل الشباب محور الاحتجاج ومركز تجميع وتفجير لغضب السكان ولعل هداما يفسر التعاطف الكبير الذي تحظى به معارك ونضالات الشباب.
نتائج العولمة الرأسمالية: تعميق التهميش وتعميم الإقصاء
من جهة أخرى تكشف إنتفاضة سكان سيدي افني عن الشكل الذي تاخده نتائج العولمة الرأسمالية في مدن وقرى ومناطق "المغرب غير النافع": ليس فقط شريحة اجتماعية عرضة للإقصاء الاجتماعي، بل منطقة بكاملها عرضة للتهميش. لقد أعادت العولمة الرأسمالية إنتاج التقسيم الاستعماري بين "المغرب النافع" و"المغرب غير النافع". وسواء تعلق الأمر بافني أو طاطا أو بوعرفة أو صفرو أو بومالن دادس... فهي مناطق، من منظور رأسمالي، "غير نافعة" و"عديمة المردودية". ويتجسد هدا في غياب استثمارات وانعدام البنيات التحتية الأساسية (الطرق المواصلات النقل.....). وأمام التوجه على المدى البعيد لتدمير المرافق العمومية وتفويت الخدمات العمومية إلى القطاع الخاص فان المناطق المصنفة ضمن قائمة "عديمة المردودية" مهددة بالبقاء دون بنيات وخدمات عمومية أساسية.
إن سكان مدينة افني ليسوا في صراع مباشر مع أرباب مصانع ومقاولات تستنزف قوة عملهم، بل في صراع مع "مافيا مجهولة الاسم" تستزف الثروات البحرية وتسيطر على الموارد السياحية. تتشكل هده المافيا من الجنرالات وقيادات الجيش والأجهزة الأمنية المسيطرة على بواخر الصيد وامتيازات مقالع الرمال وشبكة التوزيع والمواقع السياحية.
وتستغل هده المافيا نفوذها وسلطتها في تعيين موالين لها على رأس الأجهزة الإدارية والأمنية في المنطقة لحماية مصالحها. إن مشاركة فرق من القوات المساعدة والجيش والدرك والتدخل السريع تكشف علاقة "الشراكة" وتداخل المصالح بين قيادات هده الأجهزة.
وتكشف أحداث سيدي افني عن التطور المركب لازمة القرية والمدينة في ظل العولمة الرأسمالية: لم تعد المدينة متنفسا لامتصاص هجرة القرويين المفقرة قراهم والمدمرة أنشطتهم.
لم تعد القرية تقدم دخلا مكملا لسكان معظمهم من المستغلين بشكل فاحش أو المزاولين لمهن حرة أو أنشطة موسمية وهامشية. وتاخد هذه الأزمة شكلا حادا في المناطق التي لا توجد بها أصلا فلاحة أو صناعة وتعيش إما على عائدات المهاجرين أو عائدات المناجم. فالهجرة وعائداتها في تقلص مستمر والمناجم إما استنزفت أو تم تطوير تقنيات وتكنولوجيا استخراج معادنها. إننا إزاء منطقة جغرافية واسعة من المغرب عرضة لمزيد من التهميش والإقصاء الاجتماعي وبالتالي انفجار أزمات اجتماعية وتمردات وانتفاضات شعبية.
ومن خصوصيات هذه المناطق استمرار روابط الانتماء القبلي والعائلي والثقافي وصمود علاقات التضامن الاجتماعي في الأحياء والقرى في وجه العلاقات الفر دانية والأنانية المرافقة لعلاقات السوق الرأسمالية. وهدا ما يجعل من الصعب اختراق النسيج الاجتماعي للسكان وتكوين شريحة موالية للسلطة تعوض الاندحار التدريجي والمتسارع لفئة الأعيان التقليديين. كما أن إفلاس المشروع الليبرالي وصورية مشاريعه التنموية لم يسمح بتشكيل نخبة ليبرالية تملأ حالة الفراغ بين السكان والسلطة. وأمام تراكم أزمة مصداقية المسلسل الانتخابي ووعي السكان، وخاصة الشباب، باستحالة تحقيق مطالبهم وتحسين شروط عيشهم من خلال "المؤسسات" لم يعد من طريق أخر غير طريق الشارع حتى لو كان ثمنه مواجهة مباشرة مع الأجهزة القمعية. فاذا انهارت تربة الثقة سقط جدار الخوف.
مطالب اجتماعية وديمقراطية
ارتكز المسلسل النضالي لسكان سيدي افني على ثلاثة أبعاد جد منغرسة في الوعي الشعبي وتاريخ المنطقة(مطالب تاريخية على حد تعبير سكان المدينة). وعلى عكس النضالات الشعبية التي عرفها المغرب خلال القرن الماضي، اكتست مطالب سكان سيدي افني صبغة "مطالب اجتماعية استعجاليه ومباشرة"(الشغل، تنمية اقتصادية لتلبية حاجيات السكان،توفير البنيات والخدمات الأساسية،التوزيع العادل لعائدات الثروات البحرية والسياحية، التعويض عن الفترة الاستعمارية...).
لكن في نفس الآن مفتوحة على مطالب سياسية مباشرة (الاستقلال الإداري للمدينة عن الإدارة المخزنية المركزية). وقد لعب دور الانتماء والهوية التاريخية لسكان المنطقة دورا أساسيا في تعبئة السكان وانخراطهم الجماعي في المسلسل النضالي.

إن سكان مدينة سيدي افني ومنطقة ايت باعمران بشكل عام، هم على الدوام في اصطدام مباشر مع إدارة مركزية ليس لها من وظيفة غير قمع السكان وفرض الرقابة الأمنية عليهم. وقد أدرك شباب المدينة المتعلم علاقة التحالف بين رجال السلطة ورجال المال في نهب ثروات المنطقة ووقوف هدا التحالف كعائق أمام أية تنمية اقتصادية تلبي حاجيات السكان الاجتماعية وتخلق مناصب شغل للعاطلين. إن الوعي بطبيعة التحالف بين السلطة المحلية كامتداد للسلطة المركزية بالرباط واعيان المنطقة كشركاء لبرجوازية "أجنبية" هو ما سيتبلور في مطلب حق السكان في الاستفادة من خيرات المنطقة وثرواتها وفي إدارة محلية تحترم حقوق السكان وكرامتهم. وبالنظر إلى شرعية هذه المطالب وتجذرها في الوعي الشعبي سيكتسي النضال من اجل انتزاعها شكل اعتصام العاطلين ومحاولة فرض رقابة على النشاط الاقتصادي للميناء (أهم مصدر اقتصادي).
أما التطلعات الديمقراطية لسكان المدينة والمنطقة بشكل عام وحاجتهم إلى إدارة مدنية من السكان وفي خدمة مصالحهم فستصطدم مباشرة بالجهاز الأمني والعسكري لسلطة مركزية في خدمة تحالف الأعيان والبرجوازية.
إن تركيبة الطبقة السائدة على صعيد المنطقة (أعيان ورأسماليين وبيروقراطية إدارية وأمنية وعسكرية) وطبيعتها الطفيلية وارتباط مصالحها بالسوق الخارجية وبالمغرب النافع أكثر من ارتباطها بتنمية المنطقة، وليس الخصوصيات الثقافية والتاريخية لسكان منطقة ايت باعمران، هو ما يغذي التطلعات الشعبية نحو الاستقلال من سطوة وتحكم التحالف المخزني البرجوازي.
إن معركة سكان سيدي افني ايت باعمران تطرح مسالة الاستقلال والتسيير الذاتيين لمناطق "المغرب غير النافع" ليس لخصوصيات ثقافية (الامازيغية) أو تاريخية (العلاقة بالسلطة المركزية) بل كحل ديمقراطي لعلاقة التبعية لمناطق "المغرب النافع". لكن دون أن يعني دلك فصل معركة الاستقلال والتسيير الذاتيين لهده المناطق عن المعركة الكبرى من اجل إعادة التأسيس لوحدة وطنية ودولة ديمقراطية وسلطة شعبية.
أشكال التعبئة والنضال والتنظيم
إن معركة جماهير سكان افني تقود إلى ملاحظتين:
1-تعميق الهوة بين أشكال التنظيم التقليدية (نقابات، أحزاب، جمعيات بما فيها المناضلة) والقاعدة الشعبية الواسعة لسكان المدينة والقرى المجاورة.
2- عكس معركة 2005 تشكل ما يشبه التنظيم الذاتي للمعتصمين مند انطلاق معركة الاعتصام بالميناء.
وقد شكل هدان العاملان في نقس الآن عنصر قوة وعنصر ضعف في تطور الحركة النضالية للسكان.
ففي معركة 2005 وبصفة أكثر خلال معركة يونيو 2008 لم تكن الحركة خاضعة لتأطير وتوجيه احد التنظيمات التقليدية، مما جعل المبادرات الشعبية شبه خاضعة للتنظيم الذاتي والقيادة الجماعية، وان لم تأخذ شكلا واعيا.
أما عامل الضعف فقد تمثل في عدم وجود تنظيمات اجتماعية مرتبطة عضويا بقطاعات السكان الأساسية. فأهمية وجود التنظيمات الاجتماعية "الشرعية" تكمن في توليها مهام متابعة العمل خلال فترات خفوت وتراجع المبادرات الذاتية للسكان.وهدا العمل هو الذي كان غائبا خلال الفترة الفاصلة بين المعركة الأولى والثانية.
فانقسام جمعية المعطلين وضعفها الموضوعي و طابعها النخبوي وعدم وجود تنظيم نقابي جماهيري خلف حالة فراغ في صفوف السكان بين المعركة الأولى والثانية.
وهدا ما يفرض على القوى المناضلة الإسراع باستثمار المعركة لإعادة بناء حركة لكل العاطلين عن العمل (على قواعد وأسس مغايرة تماما لما كان عليه فرع الجمعية الوطنية ولما هي عليه باقي هو فروع الجمعية في المدن الصناعية الكبرى). فمسالة الشغل في مدن صغيرة ومهمشة ،كسيدي افني، لا ترتبط بحاملي الشهادات فقط، بل ترتبط بالقاعدة الشعبية الواسعة للسكان، وأساسا النساء.
كما أن المسلسل النضالي والتعبئة إلي عرفتها أحياء المدينة والقرى المجاورة تسمح بالشروع في تشكيل بنيات تنظيمية شعبية مفتوحة على السكان (بغض النظر عن الاسم لجان أحياء وقرى أو تنسيقيات....).
وهناك حاجة طبعا إلى جمعيات اجتماعية وثقافية مرتبطة بالقاعدة الشعبية وفي خدمة تطوير تنظيماتها الذاتية وليس بديلا عنها. لكن نجاح هده الجمعيات مشروط بفهم خصوصيات المنطقة واستيعاب تجربتها التاريخية والنضالية.
فبناء وجود للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمنطقة افني غير ممكن دون تشكيل فرع مستقل عن فرع مدينة تيزنيت. فليس هناك من مبرر للسقوط في فخ إعادة إنتاج العلاقة الهرمية التي كرسها التنظيم الإداري للمخزن على مستوى التنظيمات الجماهيرية المستقلة عن مؤسسات المخزن الإدارية والسياسية. وما يسري على هده الجمعية يسري بشكل أكثر على الجمعيات الصغيرة الناشئة التي لا تتمتع بوجود وطني وازن.
لكن من جهة اخرى تكشف معركة سكان سيدي افني (حوالي 20الف نسمة) عن تفوق النضال الشعبي المتحرر من وصاية ومراقبة البيروقراطية.فعلى عكس الاصرابات الصفراء والبيضاء التي دعت إليها البيروقراطيات النقابية أيام 13 و21 ماي ، استطاع بضع عشرات من المعتصمين بميناء لا يشكل أهمية بالغة في الحياة الاقتصادية والتجارية، من فرض ميزان قوى على الصعيد المحلي وإلحاق هزيمة سياسية جزئية بالطبقة الحاكمة . إن السر في دلك لا يجد تفسيره بطولات وقدرات خارقة لسكان مدينة سيدي افني ايث باعمران، بل يجد تفسيره في الوعي الحسي للجماهير بان تغيير موازين القوى في النضال يتوقف على شل الحركة الاقتصادية (مصدر أرباح الرأسماليين) واحتلال الشارع والأماكن العمومية (ميدان عربدة الجهاز القمعي للسلطة البرجوازية).
إن معركة سكان سيدي افني تقدم درسا ثمينا لتطوير النضالات الشعبية: ليست الخطابات الحمراء والإضرابات الصفراء هي التي ستنمي الوعي الطبقي و تفرض التنازلات على العدو، بل الإرادة الشعبية المنظمة وتوجيه النضالات نحو هدف واضح: شل النشاط الاقتصادي واحتلال الشارع العام من اجل فرض ميزان قوى على الأرض يسمح بالتفاوض حول حجم تنازلات العدو.
إن المطلوب، ليس هو تدبيج خطابات حمراء عن بطولات طبقية وهمية ، بل تطوير خط نضالي طبقي في أوساط الجماهير الشعبية، يسمح بتطوير وعي شعبي بضرورة فرض رقابة شعبية على الثروة والسلطة من اجل العيش بكرامة وحرية.
دور اليسار الجذري
إن تلاشي تنظيمات اليسار الإصلاحي في منطقة افني –ايت باعمران (حاضنة الحركة الوطنية بالجنوب) تعكس قطيعة سياسية لسكان المنطقة مع هده التنظيمات. لكن هده القطيعة لا تعني بعد تشكل وعي سياسي بالحاجة إلى حركة سياسية مستقلة لسكان المنطقة تعبر عن مصالحهم وتقود نضالاتهم إلى النهاية. صحيح أن مقاطعة انتخابات 2007 كانت واسعة وتعكس إرادة شعبية واعية، لكن هدا لا يشكل تحصينا ضد الاختراقات التي تقوم بها قوى رجعية ومحافظة سواء ذات أصول دينية أو ثقافية أو قومية شوفينية.
إن هدا ما يجعل دور القوى المناضلة المناهضة للرأسمالية حاسم في مراكمة التجربة وتحصينها من التلاشي وضد الاستخدام الانتخابي ومن اجل تتبيث البعد الاجتماعي التحرري لنضال سكان مدينة افني وايت باعمران .
لكن من اجل الانغراس والارتباط بالسكان وقيادة نضالات السكان على القوى المناهضة للرأسمالية عدم الزيغ عن خط سياسي واضح : خط سياسي يرتكز على مناهضة التهميش والمطالبة بإعادة توزيع الثروة والدفاع عن ديمقراطية شعبية حقيقية ترتكز على التسيير الذاتي والرقابة الشعبية على الإدارة والمشاريع وعلى بعد معادي للاستعمار والامبريالية من خلال تحبين مطلب التعويض عن أثارا لاستعمار ومخلفاته وإلغاء الاتفاقيات الاستعمارية وإزالة كل وجود عسكري امبريالي في المنطقة (القاعدة العسكرية لقوات حاف شمال الأطلسي).
في حال نجاح القوى المناضلة في توفير بنيات تنظيمية للنضال الاجتماعي يمكن ربط هده البنيات بهدف تشكيل جبهة اجتماعية داعمة لحركة السكان.
أما على صعيد بناء اليسار الجذري في المدينة فسيكون من الخطأ الفادح والمدمر إعادة إنتاج نفس الانقسامات التنظيمية: إن شباب افني وقراه في حاجة إلى جبهة سياسية موحدة بين مختلف فصائل اليسار، جبهة يسارية ديمقراطية مكافحة معادية للاستبداد السياسي والتهميش الرأسمالي وداث أفق اشتراكي.
إن المطلوب ليس "جبهة شعبية لتحرير سيدي افني –ايت باعمران" بل المطلوب هو جبهة شعبية لتحرر جماهير سكان افني – ايت باعمران من التهميش الرأسمالي والطغيان البرجوازي، وهذا لن يتأتى بشكل كامل إلا من خلال قيام سلطة شعبية ديمقراطية في خدمة السكان وخاضعة لرقابتهم.
عناصر القوة والضعف في تجربة سيدي افني
إن من يؤمن بقدرات حركة الجماهير الدانية في اغناء وتطوير المسلسل النضالي بشكل عام، يمكن أن يستخلص بسهولة أهمية المبادرة الذاتية للجماهير ودور التنظيم الذاتي الجماهيري في نجاح المعارك الشعبية. ليس دور القوى المنظمة هو الإحلال محل الجماهير أو تنصيب نفسها قيادة ميكانيكية للحركة الجماهيرية،بل يكمن دورها في مدى قدرتها على المساهمة في تطوير الحركة الذاتية للجماهير. هذه المعادلة لم تجد حلها للأسف في معركة سكان سيدي افني: مسلسل نضالي يتطور تدريجيا، من خلال التجربة العفوية، نحو حركة شعبية مستقلة بذاتها واعية لذاتها، وقوى منظمة تسعى إلى اختزال الحركة الشعبية للسكان في حركتها الذاتية.
لقد أعادت تجربة سكان سيدي افني التأكيد على محدودية التصورات النخبوية والفوقية في النضال والتعبئة والتنظيم. وأهمية الأشكال الشعبية والطرق الجماعية ومناهج إشراك السكان في بناء مبادراتهم النضالية.
إن التطور اللامتساوي بين حركة الجماهير الذاتية والتدخل السياسي للقوى المنظمة، سيستغله النظام فيما بعد
لاختزال وحرف المعركة من مواجهة مباشرة مع جماهير السكان إلى مواجهة مع جمعيات ومجموعات مناضلة.
علينا أن نستخلص الدروس من كل معركة بعيدا كل رؤية ضيقة من اجل تقويم تدخل القوى المناضلة في المعارك القادمة. واهم ما يمكن استخلاصه من معركة سكان سيدي افني هو:
1- من اجل تطوير النضال الجماهيري وضمان المشاركة الشعبية الواسعة لا محيد عن توفير بنية تنظيمية (لجنة أو تنسيقية لجان أو مجلس) شعبية مفتوحة في وجه كل القوى(أفرادا وتنظيمات) المستعدة للنضال والدفاع إلى النهاية عن مطالب وحاجيات السكان شريطة احترام الإرادة والقرارات الجماعية.
2- الأهمية والحيوية القصوى لاستقلالية البنيات التنظيمية الشعبية عن التنظيمات السياسية والاجتماعية بما في دلك التنظيمات المناضلة. لا يعني هدا بخس دور القوى السياسية والاجتماعية المنظمة بل يعني توفير شروط المشاركة الشعبية في كل مراحل المسلسل النضالي.
3- من اجل تعبئة شعبية واسعة لا بد من تجاوز الأشكال التقليدية في تعبئة وتنظيم القاعدة الشعبية والوعي باستحالة احتواء المبادرات والقاعدة الشعبية في بنيات تنظيمية نمطية، فوقية، نخبوية وبيروقراطية: إن التعددية والديمقراطية والتنظيم الذاتي شرط للمشاركة الشعبية.
4- اذا كان التفاوض مع العدو شر لا مفر منه فان التفاوض يجب أن يرتكز على تكتيك سليم ومدروس يستهدف في كل مرة تعديل ميزان القوى وانتزاع مطالب ولو جزئية تسمح بتطوير الحركة ومركزة نضالاتها وتعزيز ثقة السكان في قواهم وفي قياداتهم.
5- أهمية التوسيع المستمر للمعركة والانفلات من فخ مركزتها بشكل فوقي وتقليص دائرة نفودها وتأثيرها. لقد لعبت الاحتجاجات في القرى المجاورة لمدينة افني دور استمرار التعبئة والمعركة بعد الهجمة القمعية على مركزها في المدينة.
6- بناء حركة تضامن أممي : إن تجربة سيدي افني تطرح إعادة التفكير في الربط بين النضالات الشعبية في الداخل وتضامن العمال والمهاجرين في الخارج كجسر لبناء وحشد التضامن الأممي. وهذا لن يتأتى إلا بتجاوز حالة التقوقع والطابع القبلي والاثني والعقائدي لتجمعات العمال المهاجرين، وانفتاحها على التنظيمات الاجتماعية والسياسية الديمقراطية المناهضة للرأسمالية والامبريالية من اجل بناء حركة تضامن أممي مع نضالات الشعب المغربي في مواجهة القمع والاستبداد. 
...................

الجزيرة : الحصاد المغاربي انتفاضة سيدي افني sidi ifni 2008 ...

https://www.youtube.com/watch?v=2pSVP_isicQ
11‏/06‏/2008 - تم التحديث بواسطة tan baam
الجزيرة : الحصاد المغاربي يغطي انتفاضة سيدي ايفني المناضلة 2008.

 ............................
 
حفل إستقبال بطل إنتفاضة سيدي افني إبراهيم بارا



بطل الانتفاضة إبراهيم بارا في حفل استقباله بسيدي افني :
إن ضحيت بكليتي من اجل المطالب فأنا مستعد حتى للموت من اجلها دون تردد وأنا حامل راية كفاح المضطهدين
على الساعة التاسعة من صباح يوم السبت 18 ابريل كان موعد نشطاء اطاك وعدد من مناضلي الحركة الاحتجاجية بايت باعمران أمام السجن المدني حيث استقبلوا بالهتافات والزغاريد المعتقل السياسي ابراهيم بارا . كان عدد الحاضرين رمزيا بالنظر الى انصراف الأغلبية للإعداد للاستقبال الحقيقي بمدبنة سيدي افني ، وكذا لتزامنه مع استقبال معتقلين آخرين أمام باب سجن تزنيت هما محمد العمراني ومصطفى القصبي الذين رفضا التوجه نحو عائلتيهما في ذات اليوم مفضلين الالتحاق باكادير لمرافقة القافلة التي ستحمل معها إبراهيم بارا نحو سيدي افني .
وفي الساعة الثامنة من صباح الأحد 19 ابريل انطلقت قافلتان نظمتهما اطاك المغرب الأولى من كلميم والثانية من اكادير حاملة معها المعتقلين الثلاثة . وقبل الوصول إلى افني اعترض القافلة سكان دوار " بن داود " رافضين مرورها قبل أن يحظوا بشرف استقبالها بمواويل غنائية وزغاريد نسائية وبشعارات تطالب بإطلاق سراح من تبقى من المعتقلين .
بعد الوصول إلى افني في الحادية عشرة وجدت القافلة مئات الجماهير المنتظرة بلهفة عودة بطل انتفاضة افني ايت باعمران حيث نظمت بمدخل حي كولومينا طقوس الاستقبال الأولي ( تبادل التحيات و السلام – التمر والحليب ...) بعدها تقدمت السيارة التي تحمل المعتقلين مسيرة احتجاجية شعبية جابت شوارع المدينة ضمت زهاء 2000 مشارك من جماهير المدينة ، لتختتم مسارها بساحة "الجامع الكبير" حيث منصة مهرجان الاستقبال الذي نظمته اطاك المغرب / مجموعة سيدي افني الى جانب لجنة الدعم المحلية لدعم ضحايا ومعتقلي احداث السبت الاسود .
بعد افتتاح المهرجان كانت الكلمة الأولى للسكرتارية الوطنية لاطاك المغرب تقديرا من المنظمين للمجهودات الكبيرة التي بدلتها هذه المنظمة في دعم نضالاتهم ولكونها ليست من النوع الذي تضامنها اللفظي في يوم من ايام الآحاد بقدر ما هي دوما متضامنة ميدانيا وباستمرار منذ غشت 2005 . بعدها تناوب على المنصة لتلاوة كلماتهم الاطارات التالية :
- الائتلاف الدولي للتضامن مع سيدي إفني-ايت بعمران (فرنسا)
- لجنة الدعم المحلية لدعم ضحايا ومعتقلي احداث السبت الاسود
- جمعية التضامن النسائي – ايت ملول
- المكتب التنفيدي للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب
- لجنة معتصم الميناء
- عائلة الشهيد عبد الله موناصير
- نقابة بحارة الصيد الساحلي بموانئ الجنوب
في الختام كان الموعد مع الكلمة التي اعتصم المئات في جو من الشمس الحارقة لسماعها وهي كلمة الرفيق ابراهيم بارا الذي حيا الحاضرين بحرارة واصفا بأن 5 دقائق فقط من الاستقبال تنسيه 10 شهور من المعاناة داخل سجن انزكان الرهيب . كما حيا فريق المحامين الذين رافعا في القضية ، والجالية الباعمرانية بالخارج وكل المنظمات الحقوقية محليا ودوليا . تحدث عن الظروف القاسية للاعتقال وهدر الحقوق الأساسية للمعتقلين وهو ما اضطرهم إلى خوض العديد من الإضرابات عن الطعام كان بعضها بتنسيق مع المعتقلين الصحراويين توحيدا لضغوط المعتقلين من اجل مطالب مشتركة رغم اختلاف التصورات (أحد الصحراويين المسمى محمد الحافظ إعزة ما زال مضربا عن الطعام من اجل مطالب بسيطة بسجن ايت ملول ) . بعدها تحدث عن أن المعركة الأساسية التي كانت سبب الاعتقالات هي النضال من اجل المطالب المشروعة ، لذلك فإن عودته من السجن هي عودة للنضال من اجل هذه المطالب . وان كلفته هذه التجربة الأولى إزالة إحدى كليتيه ، فهو مستعد حتى للموت في معركة يحمل فيها راية المضطهدين . كما تحدث عن أن المهم هو النظر إلى المستقبل والتباحث حول أشكال استمرارية النضالات حيث قال بان حركتنا الاحتجاجية يخترقها رأيان : الأول يدعوا للتهدئة الشاملة وإيقاف أي نضال شعبي ميداني مع الاكتفاء بالحوار واستعمال الوساطات مع الدوائر العليا، في حين أن الرأي الثاني يريد استمرار النضالات لكونه الكفيل بتحقيق حوار حقيقي وجدي يفضي إلى تحقيق المكتسبات . ويقول ايضا بأننا لما طرح علينا الطرح الأول لم نرفضه بل اشترطنا علي أصحابه روزمانة زمنية ، منحناهم بعد انقضائها شهورا أخرى دون أي شيء يذكر . وأعطى مثال الأحكام على المعتقلين حيث أنها مدانة من زاوية مطالبتنا بمحاكمة الجلادين الحقيقيين ، لكنها من زاوية كونها أحكاما مخففة بالمقارنة مع صك الاتهام فهي انتصار جزئي ، ليس للمنظورات التي راهنت على الاكتفاء بحوارات قال لهم فيها الوزير الأول بصريع العبارة أن قضية المعتقلين ليست مطروحة على جدول أعمال هذا الحوار ، بل انتصار جزئي حققته الاحتجاجات الشعبية لشباب معتصم الميناء غشت 2008 والقوافل التضامنية والوقفات أمام المحكمة وأمام سجن انزكان وكذلك نضالات الجالية الباعمرانية بالخارج وأيضا الحركة العالمية المناهضة للعولمة . وكان أكثر ما أقنع الحاضرين هو حين استعرض المناضل ابراهيم بارا المطالب الخمس واحدة تلو الأخرى فوصل الجميع إلى فكرة مفادها ان الواقع الفعلي لم يتحقق فيه أي شيء مما وعدت به الدولة من مشاريع تنموية .
كما قام بارا بتلاوة رسالة من المعتقلين السياسيين الباعمرانيين ( حسن اغربي-زكرياء الريفي-الحسين تزكاغين-كريم شارة-الراضي زين العابدين-محمد عصام ) بسجن انزكان كأمانة على رقبته . و في الأخير ركز ابراهيم بارا على ضرورة وحدة الجميع على أرضية الكفاح الميداني لأجل إطلاق سراح الباقين من المعتقلين ، ولأجل المطالب الخمس .
خلاصة هذا التقرير أن حفل الاستقبال بالأشكال الاحتجاجية التي رافقته وكثافة المشاركة الجماهيرية رغم الشمس الحارقة تعبيرا واضحا عن حالة المزاج الجماهيري العام بالمدينة . فالاستعداد للنضال ، رغم الوعي بتبعاته من قمع وسجن ، يحفز هذا الاستعداد جو عام من الاحساس بالغبن والوعود الكاذبة سواء من طرف الدولة أو سماسرة الانتخابات 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق